ابن حزم

550

الاحكام

وإنما كانوا يطلبون القرآن والسنن فنحن معهم ، والحمد لله رب العالمين . وكل من قلد إنسانا بعينه ، فقد خالف الجماعة ، والحمد لله رب العالمين . قال أبو محمد : وقد شغب بعضهم بأن قال لما أجمع نظراء هذا الواحد ، وعلمنا أنهم مؤمنون يقينا بالجملة ، وأنهم من الأمة بلا شك ، ولم نقطع هذا الواحد المخالف لهم بأنه من الأمة ، وكان واجبا علينا اتباع من نوقن أنهم من الأمة دون من لا نوقن أنه منها . قال أبو محمد : وهذا خطأ ، لان الله تعالى أمرنا عند التنازع بالرد إلى القرآن والسنة بقوله تعالى : * ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) * ومخالفة الواحد تنازع في المشاهدة والعيان ، ولم يقل تعالى فردوه إلى الأكثر ، ولا إلى من لم يخالفهم إلا واحد فصار من رد إلى غير القرآن والسنة ، عاصيا لله عز وجل ، مخالفا لامره . وقد حصل لذلك الواحد من ظاهر الاسلام في الحكم ، كالذي لكل واحد من مخالفيه ولا فرق . قال أبو محمد : واحتجوا أيضا بما رويناه من طريق ابن وهب ، أخبرني أبو فهد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليتبع الأقلون العلماء الأكثرين . قال أبو محمد : وهذا مرسل لا خير فيه ، وباطل بلا شك ، أول ذلك أنه محال ، وهو عليه السلام لا يأمر بالمحال ، لأنه لا يمكن أن يتبع الأقل والأكثر إلا بعد إمكان عد جميعهم ، وقد بينا أن عد جميعهم لا يمكن البتة بوجه من الوجوه ، ولا يقدر عليه إلا الخالق وحده لا شريك له . ووجه آخر ، وهو أن الصحابة رضوان الله عنهم ، قد أصفقوا أثر موت النبي صلى الله عليه وسلم على ألا يقاتل أهل الردة ، ولا ينفذ بعث أسامة بن زيد ، وخالفهم أبو بكر وحده ، فكان هو المحق وكانوا على الخط ، فإن قالوا : قد رجعوا إلى قوله قلنا : نعم ، وهذه حجتنا ، وإنما سألناكم عن الحال قبل أن يرجعوا إلى قول أبي بكر في ذلك . وقد شغب بعضهم بما روي من أن الواحد شيطان ، والاثنان شيطانان ، والثلاثة ركب . قلنا : إنما هذا في نص الخبر نفسه في السفر فقط ، وإلا فالمصلي النافلة وحده على قولهم شيطان ، ومصلي الفريضة مع آخر شيطانان ، وفي هذا ما فيه ، نعوذ بالله العظيم من البلاء .